السبت، 3 نوفمبر 2018

نظرية الطاسة.

مصر هي طاسةٌ كبيرة، تحملنا جميعًا، تقلينا قليًا جيدًا على نارٍ هادئةٍ فننضجُ وتفوحُ رائحتنا فتقدمنا لعائلتها وتتركُ الباقي ليحترقُ احتراقًا، هذا الإحتراقُ يضفي مذاقًا خاصًا على الوجبة التاليّة، نَفسُ المنزل كما يُقال لذلك يسمونه المطبخ السياسيّ، ففيه تُحدد المقادير ونسبتها، فيها يتمُ إختيارُ الشيفِ ونفسه، لذلك تختلفُ الأنفاسُ باختلاف المطبخِ السياسيّ.

فمثلًا أيامُ مبارك كان هناكَ نفسٌ قويٌّ متمرسُ مليءٌ بالهيلِ (الحبهان) فلا نكهةً تعلو فوق نكهتهِ، وتبعه الإخوان بالزنجبيل فبعضُ الزنجبيل يعد مفيدًا إلّا أنّه وكعادة المبتدئ الهاوي أسرفَ في استخدامه وكعادة الطباخين فإنّه يجب على الطباخ أن يتذوّق طبخته، في حالة مبارك ومع تكرار الطبخة وتضائل الاحتمالات تذوق النظام حبةَ الهيلِ وابتلعها، وأما مرسينا فكما تعلمون أن كثرة الزنجبيلِ تسببَ أمراض القلبِ والجهازِ العصبي فلم تحتمل الطبخةُ ذلك أيضًا.

ثم أتى عصرُ الإسبايسي بنكهاته الحارقةِ، والأكثر حرقةً عند هضمها وخروجها، حتى فقد الجميع القدرة على العيشِ بسبب آلام المعدة الحارقةِ وحتى لم يبقى لأحدٍ القدرة على الاعتراض على الحرقةِ هذهِ بسببِ أنهم يعانون من اسهالٍ شديدٍ يستلزم البقاء في المنزلِ حيث يكمنُ الأمانُ في دورة المياه، وهناكَ من الحالاتِ المتأخرةِ من ركنَ إلى الحفاضاتِ لأنّه فقد القدرة على النهوضِ أصلًا فتقبّل الواقع المُسِهل وتعود على الرائحة.

لكن هذا ليس كل شيء للأسف، فللطاسةِ نظريةٌ أيضًا أحبُ أن اسمّيها نظريّة الطاسة، حيث تتعقدُ الأمورُ أكثر من كوننا مكونٌ في الطاسة، يُصبح لكل مكونٍ طاسةٌ أيضًا، نعم لكلٍ منا طاسةٌ ومختلفة في مادتها بعضها سام كالنحاس هؤلاءِ لا أمل في طاستهم، فحتى لو تم ملئها بكل تقدميّة وديموقراطيّة سيسممونها بسمومهم، وآخرون من الستانلستيل هؤلاء يتشكلون كما يطلبُ الشيف ويتغيرون بتغير الشيف ونكهاته، وينبذون ما قبله ويخلعون عباءته في لحظاتٍ وفي غمضة عين.

ومنهم من أذهبَ الوضعُ طاسته، فراحَ يُعمِّرها، فلا شيف ولا هيلٍ ولا زنجبيل، فقط سباحةٌ فراشيّةٌ لا تعبئ بشيءٍ سوى ملكوتها الموقت، لتعود إليه كما الآخرين بتعاقبُ الأزمان.


فقط سباحةٌ فراشيّةٌ لا تعبئ بشيءٍ...

*****

أراكم المرة القادمة...

الخميس، 23 أغسطس 2018

رسالة - 8#

عزيزتي،

نتأرجحُ في هذه الفانيةِ بين السعادة والألم، بين اليسرِ والعسر، بين الحياة والموتِ، لتمضي أيامنا كالسائر نحو الزمانِ وفي خطواتنا الزمن. نمضي جرحى وفي خطانا الأيامُ، حاضرنا هو وجهتنا وماضينا طعنات في ظهورنا، نحمله على أكتافنا مع ما تبقى من حطام أجسادنا، لنخطو خطواتٍ تكادُ تكون الأخيرة، نلتفتُ حولنا لا نرى سوى مخاوفنا، رماد ذكرياتنا، ودموع ماضينا.

خطوة تلو الأخرى لا مفر، هذا العالمُ قاسٍ حتى في الأحلام، فحتى حينما نحلم تقتلنا أحلامنا، تقتلنا رغبتنا في جعل حياتنا أفضل، تدمرنا رغبتنا في مطاردة السعادة، فيصبحُ سعينا للسعادةَ مصدرًا للألم.

هذا العالمُ كاذبٌ واهمٌ، يكذبُ حتى في إيمانه، يكذبُ في مشاعره وأحاسيسه، يكذبُ في كل ابتسامة، وكل طقس، يعشقُ المظاهر والنفاقْ، ينسالُ بين الخلقِ خيفةَ انفضاحه، فأصبح مجتمعًا مريضًا كاذبًا، كلُ تلك المظاهر وهمٌ، وفي باطن الباطن كلُ ضدٍ.

يبدو أنّها تقترب؛ علامات النهاية، كما تعلمين نحن نتوجه إليّها في ثباتٍ وتأنٍ وبحركةٍ منتظمة وعلى إيقاعٍ رخيم. ستكون نهايتنا نهاية دراماتيكيّة سينمائيّة، حيث سيخترق صوت أجراس النهاية الأفق ونقف في لا مبالةٍ في الظلام وسط الحشود ننتظر الخلاص.

فقدنا كل شيء حتى أحاسيسنا أصبحت مبتذلة، حتى إيفيهاتنا المعهودة صارت ماسخةٌ ثقيلة الظل وكأنها علمت أننا نحتضر، فلم تبذل جهدًا في أن تكون مضحكة. نضيع وسط تسارع الكون حولنا، حتى وإن واكبناه لا نحمل لأنفسنا أي جديد، سوى إسطوانتنا الشهيرة: «كنّا شيئًا في يومٍ من الأيام.».

كل ابتساماتنا، وكل آمالنا تضيع في أعين أشخاصٍ عرفناهم يومًا ما، أقتنصتهم من أمام أعيننا قوىً غاشمة، ولا أمل لنا في خلاص قريب... أحيانًا تنتابني تلك المشاعر بأن هناك أملٌ ما عمّا قريب، في كل ذكرى، في كل رسالةٍ وفي كل حرف.

بعض الناس لا ينام خوفًا من الغد، والغد قادمٌ لا محالة، والنهاية باتت وشيكة، ولعل وعسى ولربما بعدها نُصبح على خيرٍ أخيرًا...

A portrait by Martin Wittfooth.

*****

أراكم المرة القادمة...

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

رسالة - 7#

عزيزتي،

مساءٌ آخر حزين، لا خيرَ فيه في شيءٍ، جُبت الطرقات لا أدري لماذا؟ عقلي لا يتوقف عن التفكير، وقلبي الذي أصبح منذ رحيلك مكسورًا، يتسارعُ ربما أصابني مرض ضغط الدمِ وأنا لا أدري، لكني أكملتُ المسير بلا هُدى، والذي ساعدني في ذلك هي شوارعُ القاهرةِ التي لا تنتهي... 

أنظُر إلى هاتفي في انتظارُ، انتظار أُمٍ مكلومةٍ على ولدها المتوفي، هي تعلم بأنّه لن يرجع ولكنها تجلس على عتبة الباب بإصرارِ، في الماضي كُنت أتعجبُ لهؤلاء الحالمون الباحثين عن الآمال الضائعة، ولكني الآن أتفهمه... أعيشه في كل يوم  ويدفعني للقتال من أجلكِ كل ليلة وأتمنى لو أعلم أنّكِ بخيرٍ بأي طريقةٍ ممكنة. 

أتعلمين كم أفتقدُك؟ أفتقدك كما قالَ إيهاب البشبيشيّ في إحدى قصائده... 

«كأنكِ كفيَّ التي بُترت في صباي، 
أُحس بها لم أزل، فأمُدُّ ذراعي..
لأقبضَ لا شيءَ إلَّا الأسى عصبًا مُستثارًا. 

أَهُمُ ولا أستطيعُ الوصولَ إليكِ،
كفاتنةٍ تَستَحِّمُ على نهر أُقصوصةٍ...
قرأتها مُعلِّمةٌ حينَ كُنَّا صِغارًا.» 

فماذا بعد كل هذا اليأس؟ يقولون «يأسٌ أكبر.». لا يا عزيزتي، ما بعدَ اليأس موتٌ بطيء، ما بعد اليأس ندمٌ، ما بعدَ اليأسِ يا حبيبتي اغتراب.

لكن أنا، أنتِ، نحنُ... لا شيء سوى رمادٌ يتطايرُ في السماء وقريبًا سيهبطُ إلى محطته النهائية. ‏والعالم يا محبوبتي مزرٍ، قميءً حين يتعلقُ الأمر بنا. نعلم ذلك تمام العلم، ولا ندّعي عكس ذلك كما يفعلُ البعض، لكننّا نتمسّك بكل أمل رغمًا عن كل شيء، لا جنون منّا أو خرفٍ...فقط لأننّا نعلم أن الغدَ لا يمكن أن يكون رادعًا لنا لنستسلم، ولا ملاذ أخرًا لنا سوى أن نستبسل لذا فهذا... 

نُخبٌ لليالي الانتظار، ولوهجٍ في أعين العشَّاق ساعة اللقاء، ونخبٌ للحرية والحياة، وآخر لموتٍ ينتظرنا في نهاية المطاف. 

أحُبِّكِ حتى النهاية.

.Waiting by Brett Amory

*****

أراكم المرة القادمة...


الأحد، 5 أغسطس 2018

رسالة - 6#

عزيزتي،

أكتبُ لكِ اليومَ وأنا على حافةِ الهاوية، على أعتابِ الجنونِ، قلبيِ يتسارعُ بلا توقفٍ وقريبًا سيصلُ إلى محطته النهائيّة حيثُ سيتوقف كما يتوقف كل شيءٍ في هذه الدنيا، وربما هو الحلُ النهائيُّ كي يتوقف كل هذا الألم.

خطرتْ ببالي أفكارٌ عِدة، حلولٌ كلها ذهبت أدراج الرياحِ وأعتقدُ أن الحل الوحيدَ المتبقي هو أن أختفي من على هذا الوجود، ربما ينتهي هذا الألمُ وهذا الحزن، الحياةُ ليست عادلةٍ يا حبيبتي، لا تتركُ لنا فرصةً، تُكيل لنا بكل المكاييل وتُخْسِرُنا، هناك حقيقةٌ واحدةٌ في هذه الحياة هو أنني أحبك إلى حدِ الجنون، وربما صرتُ مجنونًا، والمؤسفُ في كل هذا أن المجانين لا يدركون أنّهم مجانين، وكذلكَ العقلاء، الإدراكُ يا عزيزتي نسبيٌّ متباين، يُقاسُ بعلمِ الشخصِ وخبراته وقدرته على الاحتكام لها.

لهذا لا يُدركون مقدار حُبي لكِ، ولا يدركون شكلَ الحياةِ بدونكِ، وصدقًا أقولها إنني أصبحتُ أمقتُ الحياة التي لستِ بها، أكره الصباحَ وأنا أعلمُ أن أعينكِ لم يزورها اليوم.

أبغضُ نفسي كل دقيقةٍ وثانية، كنتُ سببًا فيما تُعانينه، كُل هذا البؤسِ والحزن سببه، سببه أني أخبرتُك ذات ليلةٍ أنني أحببتُكِ وأنني اخترتُكِ دونًا عن غيركِ لأمضي بقيّة حياتي معكِ، إنتابتكِ نوبةٌ متقلبّة كنتِ تتعففين عن هذا الإقدامِ ويا ليتكِ قفلتي هذا البابَ، وانتهتْ حكايتي، كنتِ لتكوني سعيدةً الآن.

آسفٌ أننا حلمنا، لم نُخطئُ فيه في شيء، حلمنا وخططنا ليومٍ نجتمعُ فيه أخيرًا، حُلمًا سعيدًا، يليقُ بقصتنا، لكن القدر أبى وحال بيني وبينكِ كموجٍ غائرٍ حال بين نوحٍ وأبنه.

أسفٌ عزيزتي على كل لحظةٍ وكل أملٍ كاذبٍ، وعَدتُكِ بأنني سأقاتل من أجلكِ حتى النهايةِ وسأظلُ، فلا أملكُ في الدنيا هذه سوى ذكراكِ. أنا على كافةِ وعودي، وسأراكِ حتمًا يومًا ما، أو ربما يُحكمُ القدر قضائه، فأعدُكِ أنني سأركِ في الحياة الأخرى.

أحبكُ حتى النهاية.

.So close, So far away by Huang Saifeng


*****

أراكم المرة القادمة...

الأربعاء، 1 أغسطس 2018

رسالة - 5#

عزيزتي،

نحنُ نكتب لأن كلماتنا تُهِم، نكتُب كي نبقى وتبقى أحاسيسُنا ومشاعرنا. بين السطور قصصٌ وحكاياتٍ، تستشعرُ صدقها عندما تقرأها، تمُسُ كيانك، وتعبثُ بأفكارك، تُلقي بكَ في بحور من الذكرياتِ والأحلامِ والخيالاتِ التي تراودكَ من حينٍ لآخر، تضعُك حيثما ترغب سواءً؛ مصدِّقٌ أم مُكذِّب... هو خياركَ أنت.

ما نستشفَّه من القراءة ادعاءٌ، ادعاء معرفةٍ، نقرأ التفاسيرَ فنأخذُ ما يحلو لنا وما يمكِّنُنا نحن فحسب، وندعي العدلَ ونؤمنُ به ونمارس الظلم بكافةِ أشكالهِ في الظلامِ حيث لن يرانا أحد، نمارسه على ما نملكه، ومن لا يملكُ الدفاع عن نفسه، بل ونبرّرُ لأنفسنا ذلك بقولنا: «حكمةً وصوابًا.»، لكننّا في الحقيقة وفي أعماقِ أعماقِ أنفسنا نعلمُ، نعلم أننا مُدعين! ندعي الإيمانَ ونفرضه، ونحين تشتدُ بنا الأمورَ ويتعلقُ الأمر بنا نُبدِّل هذا الإيمانَ بإيمانٍ آخر كنّا نعيبه البارحة، إيمانًا يستثني شخصنا.

يدَّعي البعضُ في بلادنا، أنّه ليسَ منهم من لا يوقِّر كبيرهم، حجةٌ منهم كي يبقوا الصغار عمدًا تحتَ السيطرة، كي يجادلوا ولا يكشفُ الشبابُ ضيقَ أفقهم وسذاجةَ أفكارهم، ويتناسون بكل أريحيّة الرحمةُ والرأفة، فهي غيرُ مفيدةٍ لن تنفعهم.

يجبرونهم على كل شيءٍ وقد أمروا بغير ذلك، تُغريهُم السُلطةُ نفسُ السلطةُ التي يقذفونها كل يومٍ ويلعنوها...

حبيبتي، الحبُ كانَ خطيئتُنا الوحيدة، إثمنا كانَ أنّنا اخترنا بعضنُا بعضًا، كسرنا قالبًا مجتمعيًّا لعينًا، وندفعُ ضريبةَ حبنا هذه عزلةً وألم، خبّروني أعادلةٌ هذهِ الحياة؟ أعادلٌ هذا الحُكم والتشريع، أنهم لا يرون إلّا أنفسهم، لا يخافون إلا من صورةٍ شكَّلها لهم فعبدوا المجتمع وتقاليده وأصبحوا مسوخًا، أترين سخريةَ القدر في كل هذا؟

تعلمين كم أفتقدُك؟ أفتقدُك بعدد النجومِ، والأكوانِ والمجراتِ، بعدد الطرقاتِ التي حلمنا أن نسلكها معًا، وبعدد كل حلمٍ حلمناه، ونبضاتِ قلبي وقلبكِ التي تضطرم كل لحظةٍ لما آلت إليه أمورنا... وإلى أن نلتقي أخيرًا... أنا على وعدي ... أحبكِ حتى النهاية.


.Angel Footfalls - Dante Gabriel Rossetti


*****

أراكم المرة القادمة...