الثلاثاء، 23 أغسطس، 2016

إيه بعد البؤس ده؟





«إيه بعد البؤس ده؟»، هكذا سأل علي طالباب في إحدى مناجاته الغنائية العبقريّة، باحثًا عن معنىً منطقيٍّ لهذه الحياة، وبؤسها الذي لم يعد يُطاق. صدق نبراته وإحساسه يعكس صدق المشهد وصدق المنجاة وتعبيرها عن الحال، لطالما كنت أتخيَّل كم يكون كليبُ هذه الأغنيّة؟ وحقيقةً تكفيك صورةُ القاهرة العالقةِ بذهن كل من زارها، بهوائها الخانق، وبعماراتها الإسمنتيّة المتراصة بعشوائيّة لا تعرف لها نظام، وزحامها الغير مبرر على الاطلاق الذي يرسم بعبثية لوحة تنهار على نفسها، لوحةً تتساءل: ما الذي يدفع مثل هؤلاء للتكاثر على هذا النحو؟ هل حياتهم سعيدةٍ لهذه الدرجة ليبعثوا الروح مجددًا؟!

الحقيقة الواقعة أننا لا نعرف لحياتنا معنىً، وكل محاولتنا وفوضانا وعشوائيتنا، ورغبتنا في الحياة وإعادتها هي صرخةُ تصيح: «ما معنى هذه الحياة؟»، كل طفل يُنجب هو صرخةٌ لأبٍ أراد أن يحقق يومًا شيئًا وفشل وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي يُمرر بها اسمه، كل هؤلاء الأطفال هي صرخة تبحث عن معنى للحياة، وكأن المعنى الوحيد لهذه الحياة أن تكون أبًا أو جدًا...

تلك هي المعاني التي نؤمن بها نحن، والتي لن نستطيع الإستمرار فيها أكثر من هذا لأنهّل يبدو أنّها تقترب؛ علامات النهاية، كما تعلمون نحن نتوجه إليّها في ثباتٍ وتأنٍ وبحركةٍ منتظمة وعلى إيقاعٍ رخيم. ستكون نهايتنا نهاية دراماتيكيّة سينمائيّة، حيث سيخترق صوت أجراس النهاية الأفق ونقف في لا مبالةٍ في الظلام وسط الحشود ننتظر الخلاص. فقدنا كل شيء حتى أحاسيسنا أصبحت مبتذلة، حتى إيفيهاتنا المعهودة صارت ماسخةٌ ثقيلة الظل وكأنها علمت أننا نحتضر، فلم تبذل جهدًا في أن تكون مضحكة. نضيع وسط تسارع الكون حولنا، حتى وإن واكبناه لا نحمل لأنفسنا أو للعالم أي جديد، سوى إسطوانتنا الشهيرة "كنّا".

كل ابتساماتنا، وكل آمالنا تضيع في أعين معتقلين عرفناهم يومًا ما، لتقتنصها قوىً غاشمة، ولا أمل لنا في الخلاص منها عمّا قريب... أحيانًا تنتابني تلك المشاعر بأن هناك نصرٌ ما عمّا قريب، في كل خطابٍ تسوّدُ فيه وجوههم، في كل معتقلٍ يُعتقل، في كل حرفٍ يُسجن ويُحاكم بسببه الكتاب... وفي نظرات الرعب التي تملئهم حين نبتسم، وحين نَسِّفْ.

بعض الناس لا ينام خوفًا من الغد، والغد قادمٌ لا محالة، والنهاية باتت وشيكة، ولعل وعسى ولربما بعدها نُصبح على خيرٍ أخيرًا... حين ندرك حقًا أنّ هناك معنى أعظم لهذه الحياة.

«إيه إللي باقي؟
كفِّي نفسك،
عطفك ملوش داعي! 
قدِّمنا الكل
قبل النفس...
إيه إللي باقي؟ 
لا شيء...
لا شيء...
إنتا مش الوحش دا؟!
إنتا أقل من الوحش دا.»
******* 
.A Self Portrait by: Moritz Aust

أراكم المرة القادمة...

الأربعاء، 6 يوليو، 2016

365 حرفًا من العزلة.

*يُقرأ على مسؤولية القارئ الخاصة.

هكذا نمضي، وتمضي بنا الأيام... يأسرنا الوقت فلا نستطيع التمييز، نحاول أن نُدرك... وحين نستعد للإدراك نتوّقف، وكأننا لا نرى سببًا وجيهًا مفهومًا لذلك، فننظر حولنا فنرى بسماتٍ وسعادةٍ تعتلي الجميع ورغم علمنا بزيفها وجهلها نتمنى ولو للحظة أن نكون مكانهم، لنسعد بالقليل، ونشعر بالأمان والطمأنينة في الطقوس والأعياد.

تعيسةُ تلك اللحظة التي تدرك فيها أن فهمك وإدراكك هو سبب تعاستك، تنظر لنفسك في المرآة وترى العدم حاضرًا في ملامحك، ترى اليأس وكأنّك اليائس في لوحة كوربيت، ترى الحسرة وكأنّك يونس في بطن حوته، ولكنّك لست مؤمنًا مثله لتناجي ربّك فيُجيبك، لست نبيًا أو وليًا أو عابدًا تقيًّا حتى...

تتمسّكُ أنت بما لم يكن أبدًا لك، بسعادةٍ لا تُدرك حتى معناها، حتى القلم حين تتمسّك به يدُك رغمًا عنه يأبى الكتابة، يأبى أن يخط بحبره كلامك، يلفظك كل شيءٍ حتى جسدك الذي صرتُ عبئًا عليه، يحملك خضوعًا ويعٌّد الأيام والليالي كي يعلن ثورته عليك بقيادة قلبك الذي سيقول "لا" لأول مرة، وسيُجيبه كل أعضاء جسدك ساعتها، معلنين انتصار الطبيعة والقدر والواقع عليك، محتفلين بأن جهودك لم ترى النور!

لكنّك تظل تنظر في المرآة لكنّك هذه المرة لا تنظر في انعكاسها إنما فيها هيَ تنظر في إطارها وفي زجاجها الذي يُمثل مشعل الحقيقة الذي جعلك تنظر لنفسك وحسب بإرادتك لترى وجهك الشاحب بآلامه وندباته لتتساءل ماذا يرى الناس حين رؤيتك؟ هل يروا مأساتك، أم يروا فقط جسدًا نحيلًا يسير متثاقلًا يحمل نفسه، أم يروا تلك الابتسامة المتُخّشبة التي يحملها فقط لمن حوله، حتى لا تكون ثقيل ظلٍ مصدر كآبتةٍ وحسب.

لتستمر في السير غير عابئٍ وقلبك يضطرم يرى في كل طريق فرصة إنتحار واتتك في كابوسٍ يومًا ما، وكأنك في إحدى حالات الديجاڤو... ترتقب تلك السيارة الرماديّة التي ستلقي نفسك أمامها... "كنت هنا"... ها هي في الوقت المناسب... لحظة وتدرك أنّك أمامها، ترى الذعر في عين السائق المسكين... "نفس تلك الملامح" نفس السيارة... التي ضحكت عليها يوم أتاك الكابوس ووقلت "يعني يوم ماموت أموت بڤيرنا"...

كنت تضحك ساعتها لأنك كنت تعلم أنّه كابوس وأن صدمة السيارة ليس سوى منبه هاتفك ليس إلا... أما اليوم فأنت لست بكابوسٍ ولست حالةً من حالات الديجاڤو أنت لست سوى قصة أخرى غير مروية، تنتظر الصدمة كي تكتمل ملامحها... ولكّن لغرضٍ دراميّ لن تكتمل لأنها لو اكتملت فذلك يعني أنها حصلت على خاتمتها، ولكنّها في الحقيقة لم تحصل على خاتمتها بعد.


.The Desperate Man by Gustave Courbet


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 27 مايو، 2016

بول شيت - 18#: عند المضيق.

رست سفينةٌ
عند المضيق...

لأخطو برفق
نحو البريق.

سمعتُ ملاكًا
من عليها قريب...

ينشد في حزنٍ
"أحزان المصيف".

فوقفت بعيدًا 
عند سفح النجوم...

أندبُ حظي 
في ضيّ الشموع.

كان الملاكُ 
حبي الأخير،

وفي عشقّه
سقطت غريق.

دقائق ويحين
وقت الرحيل

لأطفو غريقًا 
عند المضيق...

حيث السفينةُ
حيث الحبيب.



تمت.

أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 18 أبريل، 2016

الواقع أم الخيال؟

يُقال إن الواقع أصدق وأكثر إفادة... ولأنّ نظرتنا محدودة وماديّة بشكلٍ أو بآخر فإننا نميل لأن نُصّدق ذلك، بل ونؤمن بأن الواقع هو الأساس والمعضلة البشرية وأساس الوجود. ولو أننا ألقينا نظرةً أعمق على هذا الطرح الذي نُسّلم به تمام التسليم فإننا من المفترض أن بناءًا على ذلك أن نُقّر به على طول الطريق ونسقطه أيضًا على معتقداتنا وأيماننا بواقعيّة تحدّدها حدود المنطق السليم وأن إدراكنا لتلك المعتقدات يجب ينبثق من نفس تلك الحدود.

الواقع الذي نعيشه اليوم بكل تفاصيله كان في يومٍ من أيام فكرة في خيال شخصٍ ما، كلمةٌ في رواية أو وصلة في أحد الأغاني، أو في لوحة فنان... كل الاختراعات كانت في يومٍ من الأيام أحلامًا تائهة إلى أن اهتدت يومًا لعقلٍ نابغٍ اخرجها لواقعنا الملموس.

الخيال هو ما يدفعنا للغد، ولحدود المستحيل، حتى حياتك تعيشها لأجل صورةٍ كونتها لنفسك في المستقبل بأنك ستكون ذلك وذاك، وأيضًا الميتافيزيقا... هل فكرت لثواني أيضًا أن واقع ما ندرك به من معتقداتٍ مبنيّ في أساسه على الخيال، وأن لا وجود لمعتقداتنا بدون بعض القفزات التي تنفذها مخيلاتنا، منذ وجد الإنسان على هذه الأرض والخيال يلاحقه، فكرة الوجود، والحياة بعد الموت وفكرة الحساب وفكرة وجودِ إله في الأساس هي أفكارٌ مبنيّة في صميمها على الخيال، وتستلزم قدرًا مهولًا من الخيال في لادركها ورغم أنها لا تلمسنا في واقعنا الماديّ بشيءّ إلا أنها تُحددّه، ونبني واقعنا عليها بشكلٍ أو بآخر، وتلك المعتقدات تُحددنا وتحدد سياستنا وحياتنا بشكلٍ كليّ إلى أن تحكم في النهاية أفكارنا ثم في المنتهى تُحدد خيالاتنا، لتحكم قبضتها علينا.

الخيال عظيم للغاية فلا شيء يُحدده، ولا شيء سيحددّه، وهو أعظم ما بملكه المرء؛ فلا مستقبل بدونه ولا تقدّم بدون ولا فروق بين الأفراد بدونه... منّه ولدنا وإليّه سنكون؛ كنّا في يومٍ من الأيام خيالًا في طفلٍ وطفلة تخيّلوا أنفسهم أبًا وأم... إلا أن أتيحت لهما الفرصة بأن يفعلوا، وفعلوا وكنتَ، ويومًا ما بعد مماتنا سنكون أيضًا خيالًا في حيواتٍ لمسناها، وذكرىً عالقةً تتوه في خيالاتٍ أكبر –أحوسب؟، أهو في جنّةٍ أم جحيم؟- وهكذا... إلى أبد الآبدين.



.A portrait by:  Kyle Thompson


أراكم المرة القادمة...

السبت، 30 يناير، 2016

في النهاية... غلبان!

وسط ألحانٍ صامتةٍ تعزفها القلوب، وعلى إيقاعها المتوازن تصطّف الأجسادُ وسط الصمت المُخيّم على المكان، يتنفسّ الجميع الصعداء، وترتفع الأعين للسماءِ مرةً أخيرة لتودّع النجوم، لينعكس ضوء القمر الساطع على الأعين كاشفًا الدموع في عين الجميع... لتردّد بعض الألسنةُ الشهادتين والأخرى الصلاة الربانيّة...

يتناسى الجميع الفروقُ حين يقترب الأجل تتشابه الألوان والأشكال والأحرف، يتقبّل الجميع أخيرًا الحقيقة الواقعة بأنهّم سواءٌ أمام الموت، تتّخذ الأيادي وضعيّة الاشتباك، تلوح في الأفق وسط زئير الهتاف علامات البداية لتبدأ المعركة وتقترب لبدايتها النهاية؛ تتعارك الأيادي، بعضها يحمل الشماريخ والبعض الآخر مدججٌ بالسلاح لتضفي لجانبها امتيازًا يخور أمام الشجاعة والإصرار الذي تعتقد الأياديّ الحاملة للسلاح أن باستطاعتها تبديده بإطلاق الرصاص...

تتعارك الأيادي، بعضها يحمل الشماريخ والبعض الآخر مدججٌ بالسلاح 

وينطلق الرصاصُ عن قناعةٍ داخليّة يقودها حقدٌ قد ولّده جهلٍ يُردّد: «نحن الأسياد، وغيرنا هم العبيد!» ليسقط العشرات، وبسقوطهم تنفتح بوابات جحيم الغضب، تتقدّم الأجساد المصطفة في ثباتٍ وكأنها منيعة ضد الرصاص في اتجاه مطلقيه من أفراد الأمن الذي تملكّهم الرعب وصاروا يتقهقرون متخفيين في مدرعاتهم معلنين عن هزيمتهم النفسيّة، محاولين لملمة أشلائها بطلقات عشوائيّة وخطوطٍ من مياهٍ يائسة عاجزة ورسائل في اللاسلكي تصيح: «خلاص الشعب ركب كدة!».

ليهرب من كان حاملًا السلاح، ويقف في زهوٍ ذلك الذي هزم الأسلحة والغاز أمام سياراتِ الأمن المركزيّ التي قد التهمتها النيران، ليعلن عن انتصاره، وليكشف عن مفهوم علاقة الشرطة بالشعب، فموجة اللاسلكيّ تعلنها صريحةً أن العلاقة بين الشرطة والشعب علاقة راكب ومركوب، وأنّ الشعب عندما انتصر لنفس لأقل حقوق الإنسانية والتعبير عن الرأي أصبح في نظر الشرطة "ركب خلاص"، وذلك يعطي تفسيرًا منطقيًا لانسحاب الشرطة ساعتها!

ومضت دقائقُ النصر، وطوت الأيام ورقتها وكتب المنتصرُ بزيفِ قلمه عن تلك الدقائق أنها كانت موجاتُ شغبٍ من متطرفين يلتحفون ثوب شبابٍ، وأن ذلك لم يكن ليكون شبابًا مصريًا، فالشباب المصريّ في نظرهم دائمًا مُذعن وراكعٌ لأسياده، واقع في ثوب المجتمع المحافظ، أسيرٌ لشبح الاستقرار، مُكبّل بقيودٍ عسكرية، كل فرص الرفض منعدمةٍ...

"لن تصدق ماذا قدموا للشرطة في ٢٥ يناير ٢٠١٦"
نزلنا نحتفل بعيد الشرطة في عز البرد علشان محدش يزايد علينا."لن تصدق ماذا قدموا للشرطة في ٢٥ يناير ٢٠١٦"
Posted by Shady H. AbuZaid on Monday, January 25, 2016


كل تطلعاته لمستقبلٍ أفضل ذهبت أدراج الرياح، لم يتبق منها إلى ذكرىً يتذكرها كل عامٍ ليروي حكايتها، ويتأمّل ميدانه المُغلقّ والمسوّر ببواباتٍ حديديّة لا يدخلها إلا من قد آمن بالنظام وكفر بالثورة وإنصاع للهوان، بلا هويّة، مصفقون للطغاة... لا حل لدخول الميدان سوى التخفي في زيهم وتوزيع بالونات على أفراد الشرطة في ذكرى الثورة، في مشهدٍ سرياليّ لبالوناتٍ مصنوعةٍ من "واقي ذكري" تحمل رسالة تقول: "من شباب ثورة 25 يناير!: -لا تتكاثر-".

لتهتز الدولةُ بمدرّعاتها وأجهزتها وقواتها لهذا الفعل، معلنةً للعالم أن ضربة شابين كانت أكبر من مظاهراتٍ زاحفة، وأن النظام ينهار لمقطعٍ مصوّرٍ كوميديّ! وليرتفع بوق الدولة المحفوظ ليعزف نغمة على المشاعر الساذجة لعوام شعبٍ بأن أفراد الشرطة غلابه، وأن الاعتراض بالكاندوم إهانة... وأن الشرطة لن تسكت عن هذه المهانة!

أتدرون ما الوقاحة؟
أن تقتل، وتسحل، تُعذّب، وتضّلل؛ وفي النهاية تكون... غلبان!




أراكم المرة القادمة...