الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2016

كليشيه!

تبحث عن شيءٍ ضائع، في الملكوت!
وأيُّ ملكوتٍ ذاك...
ذلك الذي تغرق فيه وحدك كل ليلة،
وفي كل رشفة، وفي كل ميعادٍ
يهجرك فيه موعدك!

فراغُ الكرسيّ،
ودفئُ مشروبٍ طلبته...
سخرية نادلٍ أحمق،
وهو يرفع كوب العصير!

يعلم الحكاية والكليشيه!

مرّت عليّه مئات المرات،
سيضيف نظرتك الغير مستوعبة
 وأنت تضع الهاتف على الطاولة...
 إلى السجل الذي لا ينتهي من أمثالك في ذاكرته...

«مُغلقٌ أو غير متاحٍ حاليًا!»

نفس الحكاية والكليشيه!

وحدك، ودقاتُ قلبك تنتظم،
مع إيقاع عقرب ساعتك...
ثانيةٌ تلو الأخرى إلى موعد الإنفجار!
حين تتوقف عن الأنتظار!
وتشير بالحساب...
وتغادر...

نفس الحكاية والكليشيه!


.Erwin Olaf - Waiting



أراكم المرة القادمة...

الأربعاء، 5 أكتوبر، 2016

بول شيت - 20#: بداية.

وبدايةٌ تبدأ 
حين تبدأ 
وبها يبدأ 
كل مٌبتدَأٍ في الابتداءِ. 

يقولون حلّت 
فاستحّلت في حلولها 
حدود المنطقِ والاحتمال. 

وصارت في قلبي
ويعلم محلها 
كل نجمِ في السماء. 

وها أنا كقيسٍ 
أذلل حروفًا ليلى
استقّرت في فؤادِي. 

وسأكتب لها بيتًا وأرسله... 
ما يمنعني عنها 
آيةً أو إحدى العلاماتِ. 

***** 

.Artwork by: Cyril Rolando


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 30 سبتمبر، 2016

قصاصات - 2#

العزيز، ع.إ.

وصلتني رسالتُك وأتساءل لم لا ترد على اتصالاتي ورسائلي الإليكترونيّة... أعتقد أنّها ألعوبةً من ألاعيبك، مغامرة أخرى كما تقول، لا تتوقف دومًا عن الجديد.

ماذا حدث أخبرني؟ هل أجرمت حين طلبتُ حياةً عاديّةً كمثيلاتي... أم أنّه لا يحق لي أن أكون طبيعيّة، بأحلامٍ وطموحاتٍ وحياةٍ مستقرّة، أعلم أنكّ لا تؤمن بكل هذا وأقدّرُ لك ذلك، ولكن إلى متى؟ إلى متى هذا النُكران؟ أن تعلم أن ما أرغب به هو المئال الذي ستؤول إليّه حياتك يومًا ما، أنت تعلم ذلك في قرار نفسك.

تعلم مقدار حبِّي، وأعلم مقدارك... تعلم أنّك السماء التي تجعلني بدرًا...

أخبرني... هل من الخطأ أن نكون طبيعيين؟ إلا متى تلك المعركة الخاسرة، هذه البلد ليست اليوتوبيا التي تعتقد؟ أنت تعلم أنّه لو كان الأمر لي سأحزم أمتعتي وسأقود بك نحو الغروب، أتذكرُ ذاك الخيال الذي رسمته لي يومًا، أنا وأنتَ في منزلٍ بحريٍّ، البسكويت والشاي وأدوية الضغط والسكر وأجسادنا الكهلى المتلاصقةُ تراقبُ الغروب جنبًا إلا جنب، تدمع لأنّها إستطاعت أن تنتصر وتبقى إلى هذا العمر معًا...

أريدك... حقًا، فرجاءًا أخبرني ماذا تريد...

م.أ.
رسالة – 1#، 30/9/2016


يُتبع...


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 19 سبتمبر، 2016

قصاصات - 1#

عزيزتي...

ليكن في علمكِ، أنّك في الآفاق ستبقين؛ لأنني من نصّبكِ فيها نجمًا، وليس لأي شيء آخر... وصدقيني لا تأخذكِ العزة فتظنين غير ذلك، بدوني أنت لا شيء، وكذلك أنا. وتذكري كلماتي جيدًا... لن يُقدِّر تميّزكِ غيري، فأنا الذي اكتشفته أو بالأحرى اختلقته كي أزيدك ثقةً في نفسك. فتذكري هذه الرسالة جيدًا، قبل أن تُغادري، أزعم أنّ سبب هذا الهراء هو أنّك وجدتِ شخصًا آخرًا، وربما هو أفضل وأكثر منّي إبهارًا، ربما، أو ربما تتوقين للزيجات الممُلة، والعلاقات المحفوظة، فإن كنت كذلك، فأؤكد لك كما فعلت سابقًا، أنّني لست الشخص لتلك الحياة المشروطة، أنا للمغامرة، وأن اختارتني فلا أعدك إلّا بحياة مليئة بالإثارة، والمغامرة التي لا تنتهي. 

في انتظار جوابكِ...

ع.إ.ع.ر.
رسالة - 1#، 19/9/2016




يُتبع...


أراكم المرة القادمة...

الخميس، 1 سبتمبر، 2016

بول شيت - 19#: وهجٌ.

وَهجٌ انزوى لرُكنه،
يبحث عن مأوىً لكفره.

سكنَ مكانه وانبرى...
مَن يُبدل عسره ليُسر؟

قابعًا وسط الظلام، 
غارقٌ في ذكريات حُزنهِ.

من ذا الذي يُجيبه إذا دعا...
من ذا له في وحدته أُنْسِ؟

لا مجيب سوى صدى صوتٍ،
وظلٍ وشيئًا من ذكرياتِ حُبِّه.

********



أراكم المرة القادمة...

الثلاثاء، 23 أغسطس، 2016

إيه بعد البؤس ده؟


«إيه بعد البؤس ده؟»، هكذا سأل علي طالباب في إحدى مناجاته الغنائية العبقريّة، باحثًا عن معنىً منطقيٍّ لهذه الحياة، وبؤسها الذي لم يعد يُطاق. صدق نبراته وإحساسه يعكس صدق المشهد وصدق المنجاة وتعبيرها عن الحال، لطالما كنت أتخيَّل كم يكون كليبُ هذه الأغنيّة؟ وحقيقةً تكفيك صورةُ القاهرة العالقةِ بذهن كل من زارها، بهوائها الخانق، وبعماراتها الإسمنتيّة المتراصة بعشوائيّة لا تعرف لها نظام، وزحامها الغير مبرر على الاطلاق الذي يرسم بعبثية لوحة تنهار على نفسها، لوحةً تتساءل: ما الذي يدفع مثل هؤلاء للتكاثر على هذا النحو؟ هل حياتهم سعيدةٍ لهذه الدرجة ليبعثوا الروح مجددًا؟!

الحقيقة الواقعة أننا لا نعرف لحياتنا معنىً، وكل محاولتنا وفوضانا وعشوائيتنا، ورغبتنا في الحياة وإعادتها هي صرخةُ تصيح: «ما معنى هذه الحياة؟»، كل طفل يُنجب هو صرخةٌ لأبٍ أراد أن يحقق يومًا شيئًا وفشل وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي يُمرر بها اسمه، كل هؤلاء الأطفال هي صرخة تبحث عن معنى للحياة، وكأن المعنى الوحيد لهذه الحياة أن تكون أبًا أو جدًا...

تلك هي المعاني التي نؤمن بها نحن، والتي لن نستطيع الإستمرار فيها أكثر من هذا لأنهّل يبدو أنّها تقترب؛ علامات النهاية، كما تعلمون نحن نتوجه إليّها في ثباتٍ وتأنٍ وبحركةٍ منتظمة وعلى إيقاعٍ رخيم. ستكون نهايتنا نهاية دراماتيكيّة سينمائيّة، حيث سيخترق صوت أجراس النهاية الأفق ونقف في لا مبالةٍ في الظلام وسط الحشود ننتظر الخلاص. فقدنا كل شيء حتى أحاسيسنا أصبحت مبتذلة، حتى إيفيهاتنا المعهودة صارت ماسخةٌ ثقيلة الظل وكأنها علمت أننا نحتضر، فلم تبذل جهدًا في أن تكون مضحكة. نضيع وسط تسارع الكون حولنا، حتى وإن واكبناه لا نحمل لأنفسنا أو للعالم أي جديد، سوى إسطوانتنا الشهيرة "كنّا".

كل ابتساماتنا، وكل آمالنا تضيع في أعين معتقلين عرفناهم يومًا ما، لتقتنصها قوىً غاشمة، ولا أمل لنا في الخلاص منها عمّا قريب... أحيانًا تنتابني تلك المشاعر بأن هناك نصرٌ ما عمّا قريب، في كل خطابٍ تسوّدُ فيه وجوههم، في كل معتقلٍ يُعتقل، في كل حرفٍ يُسجن ويُحاكم بسببه الكتاب... وفي نظرات الرعب التي تملئهم حين نبتسم، وحين نَسِّفْ.

بعض الناس لا ينام خوفًا من الغد، والغد قادمٌ لا محالة، والنهاية باتت وشيكة، ولعل وعسى ولربما بعدها نُصبح على خيرٍ أخيرًا... حين ندرك حقًا أنّ هناك معنى أعظم لهذه الحياة.

«إيه إللي باقي؟
كفِّي نفسك،
عطفك ملوش داعي! 
قدِّمنا الكل
قبل النفس...
إيه إللي باقي؟ 
لا شيء...
لا شيء...
إنتا مش الوحش دا؟!
إنتا أقل من الوحش دا.»
******* 
.A Self Portrait by: Moritz Aust

أراكم المرة القادمة...

الأربعاء، 6 يوليو، 2016

365 حرفًا من العزلة.

*يُقرأ على مسؤولية القارئ الخاصة.

هكذا نمضي، وتمضي بنا الأيام... يأسرنا الوقت فلا نستطيع التمييز، نحاول أن نُدرك... وحين نستعد للإدراك نتوّقف، وكأننا لا نرى سببًا وجيهًا مفهومًا لذلك، فننظر حولنا فنرى بسماتٍ وسعادةٍ تعتلي الجميع ورغم علمنا بزيفها وجهلها نتمنى ولو للحظة أن نكون مكانهم، لنسعد بالقليل، ونشعر بالأمان والطمأنينة في الطقوس والأعياد.

تعيسةُ تلك اللحظة التي تدرك فيها أن فهمك وإدراكك هو سبب تعاستك، تنظر لنفسك في المرآة وترى العدم حاضرًا في ملامحك، ترى اليأس وكأنّك اليائس في لوحة كوربيت، ترى الحسرة وكأنّك يونس في بطن حوته، ولكنّك لست مؤمنًا مثله لتناجي ربّك فيُجيبك، لست نبيًا أو وليًا أو عابدًا تقيًّا حتى...

تتمسّكُ أنت بما لم يكن أبدًا لك، بسعادةٍ لا تُدرك حتى معناها، حتى القلم حين تتمسّك به يدُك رغمًا عنه يأبى الكتابة، يأبى أن يخط بحبره كلامك، يلفظك كل شيءٍ حتى جسدك الذي صرتُ عبئًا عليه، يحملك خضوعًا ويعٌّد الأيام والليالي كي يعلن ثورته عليك بقيادة قلبك الذي سيقول "لا" لأول مرة، وسيُجيبه كل أعضاء جسدك ساعتها، معلنين انتصار الطبيعة والقدر والواقع عليك، محتفلين بأن جهودك لم ترى النور!

لكنّك تظل تنظر في المرآة لكنّك هذه المرة لا تنظر في انعكاسها إنما فيها هيَ تنظر في إطارها وفي زجاجها الذي يُمثل مشعل الحقيقة الذي جعلك تنظر لنفسك وحسب بإرادتك لترى وجهك الشاحب بآلامه وندباته لتتساءل ماذا يرى الناس حين رؤيتك؟ هل يروا مأساتك، أم يروا فقط جسدًا نحيلًا يسير متثاقلًا يحمل نفسه، أم يروا تلك الابتسامة المتُخّشبة التي يحملها فقط لمن حوله، حتى لا تكون ثقيل ظلٍ مصدر كآبتةٍ وحسب.

لتستمر في السير غير عابئٍ وقلبك يضطرم يرى في كل طريق فرصة إنتحار واتتك في كابوسٍ يومًا ما، وكأنك في إحدى حالات الديجاڤو... ترتقب تلك السيارة الرماديّة التي ستلقي نفسك أمامها... "كنت هنا"... ها هي في الوقت المناسب... لحظة وتدرك أنّك أمامها، ترى الذعر في عين السائق المسكين... "نفس تلك الملامح" نفس السيارة... التي ضحكت عليها يوم أتاك الكابوس ووقلت "يعني يوم ماموت أموت بڤيرنا"...

كنت تضحك ساعتها لأنك كنت تعلم أنّه كابوس وأن صدمة السيارة ليس سوى منبه هاتفك ليس إلا... أما اليوم فأنت لست بكابوسٍ ولست حالةً من حالات الديجاڤو أنت لست سوى قصة أخرى غير مروية، تنتظر الصدمة كي تكتمل ملامحها... ولكّن لغرضٍ دراميّ لن تكتمل لأنها لو اكتملت فذلك يعني أنها حصلت على خاتمتها، ولكنّها في الحقيقة لم تحصل على خاتمتها بعد.


.The Desperate Man by Gustave Courbet


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 27 مايو، 2016

بول شيت - 18#: عند المضيق.

رست سفينةٌ
عند المضيق...

لأخطو برفق
نحو البريق.

سمعتُ ملاكًا
من عليها قريب...

ينشد في حزنٍ
"أحزان المصيف".

فوقفت بعيدًا 
عند سفح النجوم...

أندبُ حظي 
في ضيّ الشموع.

كان الملاكُ 
حبي الأخير،

وفي عشقّه
سقطت غريق.

دقائق ويحين
وقت الرحيل

لأطفو غريقًا 
عند المضيق...

حيث السفينةُ
حيث الحبيب.



تمت.

أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 20 مايو، 2016

مأساتي.

صرت أبكي حين أرى، بلا أي سبب واضح... أبحث عن الأحزان والتراجيديا في كل مكانٍ، وكأنني أهواها. أختلّت موازين حياتي وصرت كرجل قشٍ تذروه الرياح؛ مخيف المنظر، يبعد الخلق من حوله. أتساءل أحيانًا حينما تنهمر دموعي؛ متى تجف؟ متى ينقطع هذا الحبل الذي يجعلني غريبًا عنهم، كأنني فضائيّ يهوم على وجه بين البشر، عجيبًا يتخبّط في محاولة فهم هذا المنشأ، لما لا يتوقّف قلبي فحسب وتنتهي مأساتي.

مأساتي ليست كأيِّ مأساة، مأساتي ليست حزنًا صريحًا، قلبًا مجروحًا، أو فقرًا أو محاولة جذبٍ بائسةٍ للاهتمام... ليست ذلك النوع من المآسي التي يُمكن أن تُداويها الأيام، إنما مأساتي صغيرةً وتبدو تافهةً للبعض، مأساتي هي وفائي... وفائي لكل شيء، حتى الأشياء الصغيرة منها دائمًا ما تجذبني كما تجذب الحلوى الأطفال، ذلك الوفاء كبّلني بسلاسل من فولاذٍ في زنزانة مظلمةٍ من صنعي، أنا السجّان والسجين وأنتم الحَكَم والقاضي...

وضعتُ نفسي في منظورٍ كنتُ أنا محوره ونقطة بدايته (صفر ، صفر) في محور السينات والصادات، ولم أفطن لحقيقة أن صفرًا آخرًا كان ينقصني في الإحداثيات... صفرًا يُغيّر كل شيءٍ ويغيّر المسار وبوجوده يوجد محورٌ آخر جديد وهو العينات.
وكمُختطفٍ يتعاطف مع مُختطفِيه كنتُ، وانسقت لسجني بل وحاولت أن أوّسعه وأضم الناس له، بل ووضعتُ له نظامًا أيضًا، فامتدت جذوره في أعماقي، أضف لذلك مشكلتي الرئيسية وهي وفائي لكل ذلك...

لذا لك أن تتخيّل شخصًا ينشأ مشروعًا وهو غافلٌ للمحور الأساسيّ لنجاحه، ويكون في ذات الوقتِ وفيًا له، كصاحبٍ لمحلِ ألبانٍ في بلدةٍ سكانها مصابين بحساسيّة ضد اللاكتوز.

ذلك أنا، الوفيُّ لهذه المدونّة والصفحة  التي تقرؤونها الآنولكلِ ما أنجزه تقريبًا والذي لم يفطن إلا مُؤخرًا أن معظم من يُحاول جذبهم لديهم حساسيّة ضد الحقيقة، والأكثر إثارةً للسخريّة هو أنني أكتب ضد الأوهام في مدونةٍ تُدعى مستنقعاتِ الوهم وبعد كل تلك الأعوام أفهم أخيرًا أنّني أنا الآخر من الواهمين بأنني سأحقق أو سأغيّر شيء...

...وهكذا صرت أبكي حين أرى، بلا أي سبب واضح... أبحث عن الأحزان والتراجيديا في كل مكانٍ، وكأنني أهواها...

.A Self Portrait by: Moritz Aust


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 18 أبريل، 2016

الواقع أم الخيال؟

يُقال إن الواقع أصدق وأكثر إفادة... ولأنّ نظرتنا محدودة وماديّة بشكلٍ أو بآخر فإننا نميل لأن نُصّدق ذلك، بل ونؤمن بأن الواقع هو الأساس والمعضلة البشرية وأساس الوجود. ولو أننا ألقينا نظرةً أعمق على هذا الطرح الذي نُسّلم به تمام التسليم فإننا من المفترض أن بناءًا على ذلك أن نُقّر به على طول الطريق ونسقطه أيضًا على معتقداتنا وأيماننا بواقعيّة تحدّدها حدود المنطق السليم وأن إدراكنا لتلك المعتقدات يجب ينبثق من نفس تلك الحدود.

الواقع الذي نعيشه اليوم بكل تفاصيله كان في يومٍ من أيام فكرة في خيال شخصٍ ما، كلمةٌ في رواية أو وصلة في أحد الأغاني، أو في لوحة فنان... كل الاختراعات كانت في يومٍ من الأيام أحلامًا تائهة إلى أن اهتدت يومًا لعقلٍ نابغٍ اخرجها لواقعنا الملموس.

الخيال هو ما يدفعنا للغد، ولحدود المستحيل، حتى حياتك تعيشها لأجل صورةٍ كونتها لنفسك في المستقبل بأنك ستكون ذلك وذاك، وأيضًا الميتافيزيقا... هل فكرت لثواني أيضًا أن واقع ما ندرك به من معتقداتٍ مبنيّ في أساسه على الخيال، وأن لا وجود لمعتقداتنا بدون بعض القفزات التي تنفذها مخيلاتنا، منذ وجد الإنسان على هذه الأرض والخيال يلاحقه، فكرة الوجود، والحياة بعد الموت وفكرة الحساب وفكرة وجودِ إله في الأساس هي أفكارٌ مبنيّة في صميمها على الخيال، وتستلزم قدرًا مهولًا من الخيال في لادركها ورغم أنها لا تلمسنا في واقعنا الماديّ بشيءّ إلا أنها تُحددّه، ونبني واقعنا عليها بشكلٍ أو بآخر، وتلك المعتقدات تُحددنا وتحدد سياستنا وحياتنا بشكلٍ كليّ إلى أن تحكم في النهاية أفكارنا ثم في المنتهى تُحدد خيالاتنا، لتحكم قبضتها علينا.

الخيال عظيم للغاية فلا شيء يُحدده، ولا شيء سيحددّه، وهو أعظم ما بملكه المرء؛ فلا مستقبل بدونه ولا تقدّم بدون ولا فروق بين الأفراد بدونه... منّه ولدنا وإليّه سنكون؛ كنّا في يومٍ من الأيام خيالًا في طفلٍ وطفلة تخيّلوا أنفسهم أبًا وأم... إلا أن أتيحت لهما الفرصة بأن يفعلوا، وفعلوا وكنتَ، ويومًا ما بعد مماتنا سنكون أيضًا خيالًا في حيواتٍ لمسناها، وذكرىً عالقةً تتوه في خيالاتٍ أكبر –أحوسب؟، أهو في جنّةٍ أم جحيم؟- وهكذا... إلى أبد الآبدين.



.A portrait by:  Kyle Thompson


أراكم المرة القادمة...

السبت، 30 يناير، 2016

في النهاية... غلبان!

وسط ألحانٍ صامتةٍ تعزفها القلوب، وعلى إيقاعها المتوازن تصطّف الأجسادُ وسط الصمت المُخيّم على المكان، يتنفسّ الجميع الصعداء، وترتفع الأعين للسماءِ مرةً أخيرة لتودّع النجوم، لينعكس ضوء القمر الساطع على الأعين كاشفًا الدموع في عين الجميع... لتردّد بعض الألسنةُ الشهادتين والأخرى الصلاة الربانيّة...

يتناسى الجميع الفروقُ حين يقترب الأجل تتشابه الألوان والأشكال والأحرف، يتقبّل الجميع أخيرًا الحقيقة الواقعة بأنهّم سواءٌ أمام الموت، تتّخذ الأيادي وضعيّة الاشتباك، تلوح في الأفق وسط زئير الهتاف علامات البداية لتبدأ المعركة وتقترب لبدايتها النهاية؛ تتعارك الأيادي، بعضها يحمل الشماريخ والبعض الآخر مدججٌ بالسلاح لتضفي لجانبها امتيازًا يخور أمام الشجاعة والإصرار الذي تعتقد الأياديّ الحاملة للسلاح أن باستطاعتها تبديده بإطلاق الرصاص...

تتعارك الأيادي، بعضها يحمل الشماريخ والبعض الآخر مدججٌ بالسلاح 

وينطلق الرصاصُ عن قناعةٍ داخليّة يقودها حقدٌ قد ولّده جهلٍ يُردّد: «نحن الأسياد، وغيرنا هم العبيد!» ليسقط العشرات، وبسقوطهم تنفتح بوابات جحيم الغضب، تتقدّم الأجساد المصطفة في ثباتٍ وكأنها منيعة ضد الرصاص في اتجاه مطلقيه من أفراد الأمن الذي تملكّهم الرعب وصاروا يتقهقرون متخفيين في مدرعاتهم معلنين عن هزيمتهم النفسيّة، محاولين لملمة أشلائها بطلقات عشوائيّة وخطوطٍ من مياهٍ يائسة عاجزة ورسائل في اللاسلكي تصيح: «خلاص الشعب ركب كدة!».

ليهرب من كان حاملًا السلاح، ويقف في زهوٍ ذلك الذي هزم الأسلحة والغاز أمام سياراتِ الأمن المركزيّ التي قد التهمتها النيران، ليعلن عن انتصاره، وليكشف عن مفهوم علاقة الشرطة بالشعب، فموجة اللاسلكيّ تعلنها صريحةً أن العلاقة بين الشرطة والشعب علاقة راكب ومركوب، وأنّ الشعب عندما انتصر لنفس لأقل حقوق الإنسانية والتعبير عن الرأي أصبح في نظر الشرطة "ركب خلاص"، وذلك يعطي تفسيرًا منطقيًا لانسحاب الشرطة ساعتها!

ومضت دقائقُ النصر، وطوت الأيام ورقتها وكتب المنتصرُ بزيفِ قلمه عن تلك الدقائق أنها كانت موجاتُ شغبٍ من متطرفين يلتحفون ثوب شبابٍ، وأن ذلك لم يكن ليكون شبابًا مصريًا، فالشباب المصريّ في نظرهم دائمًا مُذعن وراكعٌ لأسياده، واقع في ثوب المجتمع المحافظ، أسيرٌ لشبح الاستقرار، مُكبّل بقيودٍ عسكرية، كل فرص الرفض منعدمةٍ...

"لن تصدق ماذا قدموا للشرطة في ٢٥ يناير ٢٠١٦"
نزلنا نحتفل بعيد الشرطة في عز البرد علشان محدش يزايد علينا."لن تصدق ماذا قدموا للشرطة في ٢٥ يناير ٢٠١٦"
Posted by Shady H. AbuZaid on Monday, January 25, 2016


كل تطلعاته لمستقبلٍ أفضل ذهبت أدراج الرياح، لم يتبق منها إلى ذكرىً يتذكرها كل عامٍ ليروي حكايتها، ويتأمّل ميدانه المُغلقّ والمسوّر ببواباتٍ حديديّة لا يدخلها إلا من قد آمن بالنظام وكفر بالثورة وإنصاع للهوان، بلا هويّة، مصفقون للطغاة... لا حل لدخول الميدان سوى التخفي في زيهم وتوزيع بالونات على أفراد الشرطة في ذكرى الثورة، في مشهدٍ سرياليّ لبالوناتٍ مصنوعةٍ من "واقي ذكري" تحمل رسالة تقول: "من شباب ثورة 25 يناير!: -لا تتكاثر-".

لتهتز الدولةُ بمدرّعاتها وأجهزتها وقواتها لهذا الفعل، معلنةً للعالم أن ضربة شابين كانت أكبر من مظاهراتٍ زاحفة، وأن النظام ينهار لمقطعٍ مصوّرٍ كوميديّ! وليرتفع بوق الدولة المحفوظ ليعزف نغمة على المشاعر الساذجة لعوام شعبٍ بأن أفراد الشرطة غلابه، وأن الاعتراض بالكاندوم إهانة... وأن الشرطة لن تسكت عن هذه المهانة!

أتدرون ما الوقاحة؟
أن تقتل، وتسحل، تُعذّب، وتضّلل؛ وفي النهاية تكون... غلبان!




أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 11 يناير، 2016

بول شيت - 16#: فراغ!

فراغٌ أنا...
يسبح في الفضاء.
من عدمٍ أنا...
وإلى العدمِ القضاء.

مجبولٌ على الوَهَنِ...
موصومٌ بالشقاء.
أجاهدُ القدر...
أقاتل للبقاء.

مجنونٌ مُسافِر؛
في صحراء أعافِر...
وحيدًا بلا سِقاءْ*.
أعزلَ ولا غِطاء...
بلا ثورٍ أو حِراءْ.

فما أنا سوى...
مجبولٌ على الوَهَنِ...
موصومٌ بالشقاء.
أجاهدُ القدر...
أقاتل للبقاء.

حتى أسقط
جثة...
بلا حراك.

*******

.The Absent by Kosmur
*) سِقاءْ: وعاء من جلد يحمل الماء.

أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 1 يناير، 2016

بول شيت - 15#: لا شيء!

«لماذا نحن هنا؟»

لابد لهاذا السؤال أن يراودك في لحظة ما من حياتك، أو من الممكن أن يكون راودك مراتٍ ومرات... أما أنا فأتذكر تمامًا أول مرة سمعت هذا السؤال، عندما كنت صغيرًا كان في إحدى أغاني مسلسلٍ للأطفال يُدعى (حياة الدمى السريّة)...

«لماذا يعيش السمك في الماء؟
ولماذا الإثنين قبل الثلاثاء؟
لماذا نحن هنا؟ 
سؤالٌ صعبٌ، سؤالُ صعبٌ
سؤالٌ يراودني!»*

لكن بحق، لماذا نحن هنا؟ هل لنعبد، أم لنلهو، أم لنضمن استمرار فصيلنا البشريّ بالتكاثر، تعددت الأطروحات التي تحاول جاهدة يائسة أن تعطي للوجود معنًا، ولربما ليس للوجود معنًى! ربما كل تلك المحاولات هي محاولة إعطاء اللا شيء قيمة، ربما حقيقة نحن لا شيء والحياة التي نعيشها هي مجرد شيء لا يعني ولن يعني شيئًا، ربما ليس هناك ما بعد الوجود، فلم يكن للوجود وجودًا قبله، ويبدوا من المنطقي ألا يوجد بعد الوجود شيء!

حياتنا كفيلمٍ نعرف نهايته، ولا نجرؤ أن نغادر قاعة المشاهدة لأننا نعتقد أن القيمة والمعنى الحقيقي هي للأحداث والأفعال التي نعايشها ونفعلها، أو ربما هي مجرد إيمانًا منّا بالصراع الأبدي للبشر لهزيمة الموت وسيادة الكون. أو ربما هي محاولة لإنكار حقيقة في أعماقنا أن حياتنا مجرد لا شيء نحاول بشتى الطرق أن نعطي له معنًا، ولنقتبس هاري دين:

«أنت لا شيء، وأنا كذلك! وليس هناك شيء،
ولا يوجد هدف. فاللا شيء تجعل كل ذلك التوتر والقلق ينتهي!».

لذا لندع كل التوتر والقلق، ولنحيا كما نحن، بدون قيود، حتى يحين وقتنا، نبدع ما ترتئيه مخيلاتنا! فنحن لا شيء في لا شيء لا يعني شيء ولا شيء يستطيع إيقافنا! ولا شيء يعلو فوق شيءٍ لا يعني شيئًا!

.Nihlism. by Aphariel.

*) يذكر أيضًا أن تلك الأغنية هي الوحيدة الغير موجودة على يوتيوب وجميع النسخ التي رفعت تم حذفها، وجميع النسخ الصوتية الموجودة تعج بتعليقاتٍ تسب المحطة والمدبلجين وتتهمهم بالإلحاد والفجور!

أراكم المرة القادمة...