السبت، 11 أبريل، 2015

سمايلي فيس.

كانت الشمس في طريقها إلى المغيب، ترسل آخر تحيّاتها إلى الأرض على هيئة أشعةٍ حمراءٍ تُغازل السحب خالقةً لوحةً فنيةً متباينةِ الألوانِ في سماءٍ تصدع بآمالٍ وآلامِ بشرٍ قد اختاروها ملاذًا...

نظرَ إلى هذا المشهد، بينما كان الوجه البارد للتعبير الرقميّ المبتسم "smiley face" على هاتفه، يُؤرق عقله، ويأخذه في محيط تساؤلاتٍ يهيج بطوفان الحيرة التي تؤرق العين، فمنذ متى وكان الرد على كلمةِ أحُبُّكِ، بهذا التعبير البارد المقتضب المثير للريبة؟، أقالها مُبّكرًا؟، أمبكرٌ 3 سنوات، قضوها معًا بحلوها بمرها، تشاركا فيها حلوها ومرها، وقد كانت التلميحاتُ حاضرةً في كل رسالة نصية، وفي كل بسمة ونظرةٍ تبادلاها في المدرج، وأمام الكافتيريا، وتلك البسمةُ التي ارتسمت بدون مقدماتٍ عندما سألها كاذبًا عن محاضرةٍ كتبتها، ليستعير كشكولها كي يُقدم على حركته الساحرة والفصل الأول في مجازفةِ حبٍ يصعبُ توقع مآلها...

- باشمهندسة، كتبتي محاضرة دكتور إبراهيم اللي فاتت، ممكن كشكولك أصورها أو أنقلها لو معندكيش مانع يعني؟

كان يتلعثم في سؤاله، ويتصبب عرقًا أضحك عليه زملائه وزميلاتها، اللاتي لم ترحمنه بنظراتهّن الساخرة، وهي جاهدت نفسها لتمسك عنها ضحكاتها، لم يدري أكانت تجنّبه السخرية، أم كانت تُشفق عليّه؟ وحين أعطته الكشكول، كأنها سقت الماء لنبتةٍ أوشكت على الذبول، سرى الحبُ في عروقه لأول مرةٍ، وأقسم أنّه لن يُفسد الأمر بلامبالاته المعهودة، هرع كالطفل إلي البيت حاملًا الكشكول، الذي يُمثل بالنسبة إليه مفتاح القيد، الرقم السريّ لنظامٍ حاسوبيّ مُعقّد من عاداتٍ وتقاليدٍ وقيودٍ من آلافِ سنة، وكلمةِ السر كشكولٍ وعبارةٍ أو رسالةٍ سيحملها إلى مجازفةٍ وحده الخالق من يعلمها...

كانت خطته بسيطةً جدًا، سيكتُب في الكشكول بيتين شعريين يحملان اسمها، يأثرانها ويكونانِ كافييّن أن يحركانِها نحوه ببطيء محطميّن جدار الصمت، عابران بها إلى محيط الصداقة، ومن ثم إلى الحب شيئًا فشيئًا، لا يهم فما زال لديهما من الوقت 5 سنواتٍ سيقضيانها مع في حرم الجامعةِ المضطرم بدروبٍ شتى من القصص والحكايات والنوايا السيئة، ولكن قصته وحكايته حقيقية ونيّته سليمة...

وفي الحرم،
عينيّن خُضرٌ
وكشكولٍ بخط أزرق وأحمر. 
يحملُ رسالتي إليكِ
فلنمضي يا ياسمينُ
والاسمُ أشرف.

كتب هذين البيتين العابثين، بقلم أزرق وقام بتشكيلها بقلمٍ ذهبي حكي يخفي رداءة الشعر في منظرٍ باعثٍ للبهجة وطوى الورقةِ بحرفيةٍ ماهرةٍ على طريقة الأورجامي على شكل بطةٍ لأنّه عرف من صفحتها على الفيس بوك أنّها من عشّاقِ "Prison Break"، ووضع الكشكول على مكتبه، وغط في نومٍ عميق يحلم بكيف ستقابلُ مغامرته الكلاسيكية...

وجاء الميعاد، وسلمها الكشكول، وبادرها بكلمةِ شكرٍ مقتضبة وغادر مسرعًا كي لا تكتشف البطة فيه وهو ماثلٌ أمامها، فأسرع الخطى مغادرًا ولكنّه للأسف سمع ضحكاتِ زميلاتها وأصواتٍ تنم عن السخرية فزاد من سرعته مختفيًا بين الأشجار المقابلةِ للكافيتريا، لم يكن يعلم آن ذاك أنها تركت له رقم هاتفها في المحاضرة التي سأل عنها، كان من الممكن أن يتجنب إحراجها وإحراج نفسه ووضع نفسه في موقفٍ لا يُحسد عليّه.

بعدها، إنقطع عن الجامعة لمدة أسبوعٍ آملًا أن تزيل السبعةِ أيامٍ هذه مرارة الموقف، كان فاقدًا الأمل، وذهب كعادته إلى الكافيتريا ليشرب قهوته السوداء، ليس حدادًا على ضياع فرصته، ولكنها عادته اليومية، وفوجئ بها أمامه أمام الكاشير، لا يدري ماذا يفعل؟ سمعها تقول للكاشير بصوتها الأعذب... «قهوة فرنساوي لو سمحت»، وأخذت إيصالها، وحوّل نظره في جبن هو كي يتلاشى مواجهتها، رأته ورأت فعله، وأصبح في مواجهة الكاشير الذي يعرفه شاردًا... فقاطعه الكاشير... «أشرف، قهوة مظبوطة زي كل مرة ولا هتاخد حاجة تانية؟»، فقاطعه محاولًا تدارك الموقف... «لا، لا، يا جو أنا هاخد فرنساوي النهاردة...» فأنفجر الكاشير ضاحكًا وقال له بينما يعطيه الإيصال مداعبًا... «ربنا يسهّله يا عم»، فأشاح له أشرف بيده وأسرع ليلحق بها ليعتذر منها، عمّا بدر منه...

اقترب منها وكانت تتحاشاه مسرعةً، فقال لها وهو يحاول اللحاق بها...

- آسف يا ياسمين، معلّش لو سببتلك أي إحراج، أوعدك مش هتتكرر تاني...

فتوقفت للحظة واستدارت فتوقف جسده عن المشي تلقائيًا ليتأمل تعبيراتِ وجهها الغاضبة عليه، لكنّ المفاجأة أنّها لم تتمالك نفسها من الضحك وقالت ضاحكةً... أتفضل يا أشرف البتاعة دي ها، نسيتها في كشكولي إمبارح... وغادرت والبسمة تعتلي وجهها الذي زاده جمالًا مكياجها الغير متكلفٍ... وشعر ساعتها أنها النهاية، نهاية حكايته، لن تأخذه على محمل الجد مرةً أخرى وقف يتأمل البطة المطويّة... وفتحها كي يرى أقرأت البيتين أم لا... ليجد في بجانب السطرين... علامة " : ) " الوجه التعبيريّ المُبتسم، وبجانبه رقم تيليفونها.

كانت الليل قد حل، ومازال أشرف في بلكونة غرفته ممسكًا هاتفه متأملاً الوجه التعبريّ المبتسم، وقد انفرجت أساريره، إذ فهم أن ردها بهذا الوجه المبتسم البارد الملامح، العديم المعنى... يعني حقيقةً... «وأنا أيضًا أحِبُك».

 وطوى الورقةِ بحرفيةٍ ماهرةٍ على طريقة الأورجامي على شكل بطةٍ...


أراكم المرة القادمة…

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق