الجمعة، 14 فبراير، 2014

للبدر روايات

في ليلة بدرٍ قررتُ أن أصعد إلى سطح عمارتنا لأراقب البدر متأملاً عظمة الخالق، لكن المبنى المجاور حجب الرؤية، نظرتُ إلي يدي المُمسكة بتورموس شاي، ليس تورموساً بالمعنى الحرفيّ، هو كوبٌ حافظٌ للحرارة يستخدم في السيارات، وقُلت في نفسي: "إنها سخرية القدر، أليس كذلك؟"، المهم، بعد محاولاتٍ مُضنية نجحتُ أخيراً في رؤية هذا القمرِ البديع، الذي شهد ملاين القصص والروايات، لو أنَّه تكلَّم لنظَّم من الروايات ما تُبكي أعين مُرهفي الحس، تأملتُ القرص الأبيض فإذا به يقترب ويقترب ثم سمعت صوتاً رقيقاً يقول: جئتُ لتتأملني فتأملتُك، جئت لتتّعلم بعداً فزدتني بُعدَين! جئت تطلب شيئاً فتذكرتُ شيئين...
قاطعتُ الصوت قائلاً: ومن تكون...

قال:

أنَا البَدْرُ...
الذِي وَهَبَنِي اللهُ نِعْمَةَ أنْ اُنِيرْ،

أنَا الذِي...
أهْدِي كُلَ ضَالٍ سَوَاءَ السَبِيلْ،

أنا المِعْطَّاءُ...
أعْطِي العُشَّاقَ لَمْسَةً تُبْعِدْ عَنْهُمْ كَلَ ضِيقْ،

وَمَنْ أَنْتَ...
لِتَسْألْنِي مَنْ أكَونْ؟ فَهَّلَا عَرَّفْتَ عَنْ نَفْسَكْ يَاَ صَدِيقْ؟

تخبطتُ من هول الموقف وقلت...
جِئْتُ أطْلُبُ رُؤْيَاكَ...
فَلَمْ يَمْنَعْنِي عَنْكَ سِوىَ مَبْنَىً شَهِيقْ.

جِئْتُ أبْغِي شِعْرَاً... فَلَمْ تُسَاعِدْ،
فكُن لِي كَنِسْرِ زَارْدِشِتْ* خَيْرَ رَفِيقْ.

جِئْتُ أتَأَمَّلُ...
بَعِيدَاً عَنْ هُرَاءِ الحَيَاةِ وَتَنَازُعِ كُلَ فَرِيقْ.

قَالَ أهَلَاً وَسَهْلَاً بِكِمُ فِي وَاحَتِي...
جَئْتَ لَتَنْهَلَ مِنْهَا شِعْرَاً طَلِيقْ.

فَهَلْ نَجَحَتُ فِي اِستِحْضَارِ شِيْطَانِكَ…
لُتُنَّظِمَ بَهِ أبْيَاتَاً تَجْلِبُ حُجَّاجَاً مِنْ كُلِ فَجٍ عَمِيقُ.

قُلُتُ بَلَا، وَلَكِّنْ هَلَّاَ حَدَثْتَنِي…
وأسمَعْتَنِي أسطُورَةً أوْ شَيئَاً مِنْ زَمَنٍ سَحِيقْ.

قَالَ سَأحَدِّثَكَ عَنْ فَتَاةٍ…
كَانَتْ كَلَ يَوِمٍ تَزُورَنِي سَاعَة وَتَغِيبْ.

وَفِي يَوْمٍ بِمِصْرَ يَقُولُون عِيدُ حُبٍ؛
اِنْقَطَعَ مَجِيئُهَا فَسَادَ الجَوَ شُعُورٌ كَئِيبْ.

ذَهَبَتْ الرِيَاحُ تَسْتَطَلِعُ خَبَرَهَا فَلَمْ تَعُدْ...
وَقِيلَ أنَّهَا مَاتَتْ فِي حَادِثِ حُبٍ ألِيمْ.

لَمْ تَكُنْ تُنْشِدَنِي الشَعِرَ صَدِيقِي،
بَلْ كَانَتْ تُنَّظِمَهُ لِحَبِيبٍ سَعِيدْ.

فَلَّمَا قَضَىَ اللهُ أمَرَهُ، تَقَطَّعَتْ أوصَالُهَا…
وَغَابِتْ وَشَيَّعَ قَصَائِدُهَا مَوكِبٌ حَزِينْ.

فِي يَوْمِ جُمْعَةٍ قَدِ اِفتَرَقْنَا...
فَيَا اللهُ فُكَ الكَرْبَ وَكُنْ لَهَا خَيرَ مُعِينْ.

وَفِي يَومِ رِبِيعٍ جَاءَتْ مُنْشِدَةً…
ألَمْ تَكُنْ يَا بَدْرُ مُلِهِمَ شِعْرِي، أنْتَ لِلَإلِهَامِ خِصْبٌ كَرِيمْ!

فَصَرَخْتُ: ’’أهَذَا وَدَاعِي؟!‘‘
قَالَتَ: ’’نَعَمْ، فَقَدْ تَقَطَّعَتْ السُبُلَ وَتُوُفِّيّ كُلُ حَبِيبِ.‘‘

لَمْ أعُدْ أجِدُ فِي الشِعْرِ مَنْفَعَةٌ...
قُلْ لِي لِمَنْ أنُشِدُ الآنَ يَا بَدْرِيَّ الجَمِيلْ؟

فَلم أجِدْ رَدَاً عَلَىَ قَوْلِهَا...
فَقَدْ أصَابَنِي رَدُهَا بِجُرِحٍ كَبِيرْ.

وَهَا أنَا ألتَمسُ كُلَّ مُتَّأمِلٍ...
بحثاً عَنْ من يُضَّمِدُ قَلْبِي الحَزِينْ.

قلتُ للبدر مستطلعاً جماله... 

وَمَا الشِعْرُ إلا كَلِمَاتٌ...
تَقْتُلُ أصَاحَبِهَا وَتَذِلُ مِنهُمْ كُلَ عَزِيزْ.

كُنْ يَا بَدْرُ كَمَا عَهِدْتُكَ لِلِشِعِرِ مِعْطَاءَاً،
وَكُنْ مُفَتَاحَاً لِكُلِ بَيْتٍ وفَرَجُاً لِكُلِ تَعِيسْ.

صوت أحدٍ يصعد على السلم وبعد حديث دار دقيقتين، كان لابد للإلهام أن ينقطع، نظرتُ إلى القمر مبتسماً وشربت الشاي البارد وقلت لنفسي مبتسماً ’’لا تقلق يا بدر، سأعود‘‘.



أراكم المرة القادمة...

*) زاردشت، هي الشخصية الرئيسية لكتاب (هكذا تكلم زاردشت) كان له نسرٌ وأفعوان يرافقانه في ترحاله بعدما قرر أن ينتهي من عُزلته وهو كتابٌ للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق