الثلاثاء، 19 نوفمبر، 2013

نسكافيه لاتيه

كل صباح أبدأ يومي بكوب نسكافيه، لا يكتمل يومي أبداً بدونه، إنني أؤمن بأن كُل شخص لديّه طريقته في الإدمان، لبعض يدمن المُخدرات بأنواعها العديدة وآخرون يدمنون الخمر وجزء محافظ يبقى على الحياد ويُدمن الأشياء الأخف ضرراً في نظره مثل الشاي والقهوة والنسكافيه وأحياناً الكابتشينو! لكننّي اخترت النسكافيه باللبن أو نسكافيه لاتيه كما بالعنوان! هذا الكوكب لا يستحق إلا أن تستمتع بمعاناته وأنت ترتشفُ أي مشروب ساخن! إحساسٌ بالعظمة ألا تعبأ بأي شيء مما يدور في عالمك، أو كما يقول الأمريكيون
’’I don’t give a damn‘‘ من أشياء إن تبد لأكثر سكانه تسوؤه.

يوميّاً في أتوبيس الجامعة أو ’’الباص‘‘ وحتى لحظة دخولي كافتيريا الجامعة ألوذ بالصمت سماعاتي في أذني صامتٌ لمدة ساعة تقريباً، صائم عن الكلام اللهم إلا في مناسبات نادرة مثل تفتيش الكارنيه أو سؤال أحد أصدقاء الباص عن آخر الأخبار. أعترف أنني أميل للعزلة وعندما أتحدث لا أعلم لماذا أبهر المستمعين؟ ربما لأنني أبق نصف الحديث صامتاً فحين أتحدث أتحدث عن العناصر الأساسية للحوار فأبدوا لبقاً مثقفاً حكيماً، أو لأن كلامي المبني على بِضع كتب قرأتها يبدوا مثقفاً في حد ذاته مرتباً مُبهراً.
’’كلّما كان العقل قويّاً، كلّما كان أكثر ميلاً إلى العزلة‘‘
- آلدوس هاكسلي
أكره الأحاديث السياسيّة ولا أتحدث مع المُتعصبين أبداً إلا عندما يطلب مني الاستشهاد أو الرد علي أحدهم، لأنني ببساطة لا أحب ’’فرد العضلات‘‘ واقتباس هذا وذاك والتحدث بمصطلحات مُبهمة غريبة ليُقال أنني مثقفٌ أو ما شابه فأنا لست من المثقفين فلم تبلغ قراءاتي هذا الحد بعد، وإنما لدي ما يسمونه بكاريزما المُثقف أتحدث مثلهم وأقرأ ما يقرأون وتتشابه آراءهم مع آرائي بشكل كبير، ولكن هل أنا مُثقف...
أنا أجربُ أن أكون مثقَّفاً، ماذا تفيد ثقافتي؟
ودمي على ورق الكتابة سائلٌ؟
لو عروة فوق القميص تفلتت... لتفجرت
تحت القميصِ... زلازل!
- نزار قباني
يقول البعض بأن العزلة تدفع للاكتئاب وإن كل محبي العزلة أصناف حداداً على أحد قد فارق الحياة أو فراق الأحبة، لكن العزلة فن مُنشّط للعقل فالانعزاليون ليسوا مرضى يفتقدون المهارات الاجتماعية ولكن يفضلون الانطواء رغبة في التأمل والتفَّكر، ربما يعتقد الكثير بأنهم يخافون من مواجهة العالم وذلك ناتج عن فهمهم واستيعابهم الشديد بالكون وقواه وهم بلا شك لا يرغبون في إدخال أنفسهم في معارك خاسرة.

المنعزل ليس انطوائي وإنما يُفضَّل العزلة، فهو يفضل العزلة عن الذهاب إلي السينما، التسكع مع الأصدقاء إلخ، فحالة (إشباع الرغبة) أو الـ’’satisfaction‘‘ التي تحققها أنت بالخروج إلي السينما يحققها هو بكوبٍ من الشاي وكتاب يقرأه في بلكونة منزله. العزلة فن يقوي الشخصية ويعطي المُنعزل بطريقة ما أبعاداً أخرى لشخصية وفهم أفضل للكون وإحساساً أكبر بمشاكل المجتمع، مُخطئ من يتصور أن الانعزاليون يبغضون البشر والمجتمع، هذا خاطئ تماماً هم ينظرون إليه نظرة الشفقة.

الربط بين العزلة والاكتئاب ظالم، فليس كل منعزل مكتئب وإنما مُدرك لأبعاد مختلفة من الأكوان تماماً كما صوّرها إدوارد هوبر في لوحاته المميزة التي ساهمت بشكل كبير في جعل العزلة في لوحاته موضوعاً مقبولاً عند الناس، علي الرغم من تفسيرات النُقَّاد للوحاته على أنَّها ’’صمت مخيف، يأس، غموض، حزينة، عزلة، وحدة‘‘ إلى أنّه رداً علي ذلك قال بأنه ’’العزلة إحساسٌ بالذات بطريقة مختلفة عن اعتبارات الآخرين، شعور بالذات وفقط!‘‘

HopperAutomat
Automat - 1927

أراكم المرة القادمة...

هناك تعليقان (2):

  1. حلوة اسلوبها وشوية الحاجات عن العزلة made my day رجاءا تقبل مروري الكريم! :)

    ردحذف
  2. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف