الأربعاء، 24 يوليو، 2013

الكل خان

سأتحدث اليومَ عن إنسانية فُقدت، عن دمٍ يسيل في أرجاءِ وطنٍ لم يعرف النومَ أبداً، كُنا قَد خَدعنا أنفسنا ونُحاولُ يوماً بعد يومٍ أن نُسكت مَشاعرنا ونُداوي ألمَ قُلوبنا بشتى الطرقِ وها نحنُ نَفشل، نَفشل فقط لأننا نُريدُ أن نسقي الطرف الآخر مِن نفس الكأسِ التي شَربنا منها. هُناك قولٌ مُقدسٌ يقولُ: ’’ العين بالعينِ والسِنَ بالسِنِ‘‘ ولَكن الله لا يرضى أبداً بالظلمِ، نعم! قد ظُلمنا! وسَقينا المَيادينَ بِدماء مِن جانبنا لكن لم علينا أن نفعلَ فعلهم! لم علينا أن نُنكر دماً ونَظلم أنفسنا بهذه الطريقة البلهاء، ربما لأننا بشرٌ حمقى نُحب إفساد الوضع، أو ربما نحنُ نلعب دور المؤلف الذي يبحث عن حبكة مُبتكرة لفيلمه، ربما ننساق دائما لجدلية أفلاطون بأن الحياة لُعبة. ربما لو سلّمنا بصحة تلك الجدلية فإن حياتك الخاصة لُعبتك فأنت الوحيدُ القادر علي اتحكم بحياتك.

إننا دائماً ما نتناسى أننا نُشّكلُ وطناً واحداً وشعباً واحداً، والخاسرُ الوحيدُ في لُعبة السياسة من ينخرطُ فيها! لم دائماً نظلم ونَجرَ أشخاصاً وأشياء إلي صراعتنا بداعي إحكامِ قبضتنا علي الصراع وضمانِ السيطرة المُطلقة. ربما يجب أن ينصاع كافة الساسة الذين علي الساحة إلي الجمع الغفير الذي يتوق بشوق إلي ثورة الجياع تلك الثورة التي لو حدثت في مصر، ستكونُ العواقب وخيمة جداً ليس علي الشعب وإنما علي هؤلاء الساسة الذين أتمنى أن ينتهي بهم الحال جميعهم في نُسخة ثانية من أفران هتلر.

يتحدث الفيلسوف الأمريكي دانيال كلاين في كتابه (أسفار مع ابيكوروس) عن ما يُسميه بـ"قداسة الأشياء المألوفة" عن كيف أن العادات والتقاليد أكثر ديمومة من العادات الدينية، لذا فإن حدثت محرقة للساسة فسيُكتب لها البقاء وستُكتب بحروفِ من ذهب في كُتب التاريخ وسيصبح يومها يوم عيدٍ للمصرين ورغم أن ذاكرة الشعوب ضعيفة إلا أنه لن ينسى الشعبُ أبداً مثل هذا اليوم .

ثم نسمحُ لأنفسنا بكلُ بساطة أن نضع اسمائهم علي لافتاتنا بدون وجه حق، هؤلاء قد انتقلوا إلي عالمٍ الأمواتِ بأملٍ واحد أن يأتي ذلك اليومُ الذي تتحقق فيه أهدافُ الثورة وأن يتم إعدامُ مُبارك وطنطاوي وعنانَ وكُل فلولِ النظام السابق، إذا كنا نرمي إلي ما كانوا يرمون إليه بلعبة السياسة هذه يصبحُ لنا الحق في أن نرفع لافتاتٍِ تحمل اسمائهم وحينها فقط سَيرقد هؤلاء في سلامٍ وستطمئنُ قلوبُ أمهاتهم وأهاليهم. رُبما خدعنا بُسطاء كثيرون بأن الغد أفضل، كذبنا! واستغللنا سذاجتهم التي لن تدوم! تذّكر عندما تحشد المرة القادمة لمليونيه أن تعرج إلي بيت ذلك البسيط وتخبره بأنك كذبت عليه وأنك تريد منه أن يُعاود الذهاب للميدان معك، لأنك لن تجده لأنه مات جوعاً أو مات في المدينة الأحلام التي قد بناها في مُخيلته وأستنبطها من أكاذيبك! تذكر وجه أحدهم محمولاً في سيارة الإسعاف ميتاً بفعل أكاذيبك.


علي الجانبِ المُشرق ربما سيموتُ شاكراً لك أنه سيُحاسب قبل الأغنياء بخمسمائة عام فمات مؤمناً بالله لكن ما بالك بثلاثين مليوناً آخرين ربما سيكفرون بكل الأديان بفعل الجوع، أعلم أنني قد أبالغ لكني لستُ متفائلاً وأعلمُ أننا أقل مُتاجرة من غيرنا الذي تاجر بالإسلام وبالخلافة الإسلامية، تتاجر بأساطير عن الخلافة الإسلامية وعن الرغد والجنان ولا تجرأ أبداً ان تذكر له عبدالملك بن مروان الذي بعث الحجاج بن يوسف الثقفي لقتل عبد الله بن الزبير ولم يكتفي بقتله فقط وإنما قام أيضاً بصلبه أيضاً1 أو المعتصم الذى عذب الإمامين أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح في محنة خلق القرءان2 الشهيرة أم أخبروك عن أسطورة وامُعتصماه وفقط.

إنني مُعتزل كل الأطراف السياسية فالكُل تاجر والكُل خان ومن دفع هو أنا وأنت ومصريون، لم نسمع أبداً عن أن فلان السياسيّ المُحنّك قد أختنق بالغاز المُسيّل للدموع، ولم نسمع عن أن آخر من هؤلاء قد أصيب بخرطوش! أو فقد عيناً أو أبناً في أيٍ من تلك الأحداثِ، حرّر عقلك وفكرك مِن أيٍ كان وأختر معركتك ولتكُن لعنةُ الله علي كُل من تاجر وركب وخان.
( الضمير - بريشة الفنان: فرانسوا شيفلارت عام 1877)


أراكم المرة القادمة...

1: مقتل عبد الله بن الزبير
2: محنة خلق القرءان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق