الأحد، 5 مايو 2013

قصة قصيرة: الكنز الأسطوريّ.

كُنا وما زلنا في الضياع... في ظلامٍ دامس تغشاه ظلمات من فوقها ظلمات، لا نجد شيئاً يدفعنا للأمام، الجوعُ قد فتكَ بأجسادنا وحوّلنا إلي خشبٌ مُسَّندة، ضاعت قُوانا في رحلتنا للبحث عن الكنزِ الأُسطوريّ الذي سيُحَّولُ عُسرنا يسراً... ظلامنا نوراً... شقائنا راحة... إني أحلمُ أنا وأبناء قريتنا التعيسة بهذا اليومُ الذي نُجد فيه ذلكَ الكنز.

أنظرُ من حولي... لقد وجدَ الخليجيونَ كنزهم – البترول -، متى سنعثر علي كنزنا؟؛ الذي هو أعظمُ من البترول، كَنزٌ لم مثيلَ له، أذكر جَدي وهو يحكي لي عن الكنز قال: ’’ إن كنزَ قريتنا الأسطوريّ هذا، بحجم إيفيرست... تقول الأسطورة أنه بباطن الأرضِ عند السدِ الجنوبيّ ، تجدونه يوم تعامدُ الشمس علي رأس (ميدوسا) الموجودِ بالغرفة المخفية في الشق الشماليّ للمعبد.‘‘

قاطعتُ جدي قائلاً: من (ميدوسا) هذه يا جدي؟

فأجابني قائلاً: ’’هيّ إله الحكمة والجمال يا بنيّ، هيّ أمازونية، وهؤلاء الأمازونيات هم شعبٌ من من المقاتلين النساء وأول شعبٍ يُسخِّر الأحصنة في أغراض القتال، كانت في بِدأ الأمرِ فتاةً جميلة حتى مارست الحبَ مع إله العواصفِ والزلازل (بوصيدن) في معبدِ آثينا مما جعل (آثينا) إله القوة والحربِ لعنها وحوّلتها إلي إمرأة بشعة المنظر، وحوّلت شعرها إلي ثعابين وكان من ينظُر إليها يتحول إلي حجر، ووفقاً للأسطورة فإن إبن الآلهة الأولمبية الإغريقية (بيرسيوس) من القضاء عليها وقطع رأسها.‘‘

قلتُ في نفسي: (ميدوسا) أيتها الحمقاء كيف أقدمتِ علي ممارسةِ الخطيئةِ بداخل مَعبدِ (آثينا) المُقدس، علي العموم لقد نالت جزائها وحولتها الآله إلى مخلوقٍ بشعٍ، لكن أخشى ما أخشاه أن تحل اللعنة علينا لو عثرنا علي الكنز، فالكنزُ أسطوريٌ! وربما يكونُ مسحوراً أو ملعوناً؛ لكن بحلول صباح الغد يقولُ حكيمُ قريتنا أن من المحتملِ أن يكون غداً هو اليومُ المشهود! يومُ تعامدِ الشمس علي رأس (ميدوسا)، يوم ظفرنا بالأسطورة وكسرنا لنحس الماضي، اليوم الذي نخطوا فيه خطوة للأمام نحو المستقبل.

ها هيَ شمسُ اليوم المنشودِ تُشرق علي كتيبة البحث عن الكنز، القائدُ يعطينا محاضرةً عن الحذر وينصحنا به الطريق الذي رسمه الحكيم لنا خريطةً هو الأخير، لقد بحثنا في القرية كلها ولم يتبق سوى المكان الذي تسكنه الذئاب، تقدمنا بإتجاه المكان وقد وصلنا إلي المكان المنشود، وضعنا أسلحتنا بجانبنا وأمر القائدُ قائد الحفار بالحفر في المكان الذي وقعّعه علي الأرض من الخريطة، وبدأ الحفر وبعد بضع ساعات إذ به يَصرخ فرحاً: ’’ لقد وجدناه! وجدناه‘‘

إنتفضنا فرحاً وصِرنا نعانقُ بعضنا بعضاً، وإذا بالقائد يوبخنا، أعلم أنه خسر ثلاثة معاركٍ سابقةٍ بسبب إستباقه للنصر، لكن حدث شيءٌ غريبٌ، الأشباحُ في كل مكانٍ... الصراخُ في كُلِ مكانٍ... ، أركض لا أعرف إلي أين؟ مهلاً يا إلهي ما هذا الشيءُ، إنه شبحُ (ميدوسا)... يا إلهي إنها تطيرُ بإتجاهي... سأركض وأركض ولن تلحق بي... نظرتُ خلفي فلم أجدُ شَبَحُها... توقفت لألتقطَ أنفاسي لثوانٍ وصِرتُ أركض وأركض ولكن لا أعرف إلي أين يؤدي هذا الطريق؟ وفجأة أنظر أمامي إذ بي آرى السحاب ما هذا؟! لا طريق نهاية الطريق ماءٌ، تعالت ضحكاتٌ لا أعرف مصدرها وإذا بشبحِ (ميدوسا) ماثلٌ أمامي، وأنا أرتجفُ وأصرخُ لا تقتليني! لا تقتليني!

ضحكت وقالت: ’’ ها أنتم مثلي الآن حلت عليكم اللعنات... أنت لم تلحظ؟! إنظر إلي نفسك؟! إنظر إلي يدك التي تحولت إلي قدمِ ديكِ، وقدمك التي ملئها الشعر قد تحولت إلي قدم شامبانزي؛ لقد تحققت سعادة (داروين) الآن!‘‘

أرتجف وأبكي وأعجزُ عن الكلام من هولِ المنظر...
وإذا بها تقول: ’’ حَلت عليّ لعنة (آثينا) بسبب معبدٍ أسطوريّ، أنظر لحالك الآن ستموت ملعوناً علي يد ملعونةٍ،‘‘
وتعالت ضحكاتها وأخذت تُدوِّر يديها اليسرى مكونةً كرة من اللهب ووجهتها تجاهي، أعلم أنها النهاية... نظرت إلي السماءِ شاكياً تعاسة قريتنا... وأخذ أرددُ...

’’الدهر لا يعطي الذي نأمل
وفـي سبيل اليـأس ما نـعـمـل
ونحن في الدنيا على هـمـها
يـسوقنا حادي الردى المعجل‘‘
- من رباعيات الخيام


MatthiasKabel, Own work.


أراكم المرة القادمة...

هناك تعليقان (2):

  1. رائعة تلك القصة.. جميع القصص تنتهي بنهايات متوقعة..
    لكن قصصك كلها لا نتوقع لها نهاية ابدا وهذا هو الابداع.. استمر تحياتي وتقبل مروري..

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً جزيلاً علي مرورك الكريم، وأرجوا أن أكون دائماً عند حسن ظنِ سيادتكم.

      حذف