الثلاثاء، 15 يناير، 2013

قصة قصيرة: دم رخيص

إسلام مهندس مصريّ يبلغ من العمر ثلاثة وثلاثون عاماً، كان إسلام من هؤلاء الشباب الذي شاركوا ودعوا إلي ثورة الخامس والعشرون من يناير، إسلام شاب مصريّ ممن تذوقوا المعنى الحقيقيّ للميدان، وليس ممن مشى في ركبها!. في التاسع من أكتوبر لعام 2012 وفي الظلام الحالك أثر إنقطاع التيار الكهربيّ عن المنطقة بأثرها، كان إسلام جالساً علي مكتبه وعلي أضواء الشموع يراجع تلك الرسومات الهندسية قبل تسليمها للمكتب الهندسيّ الذي يعمل فيه، أحس بشعور غريب! شعور سيء فإستعاذ بالله من الشيطان الرجيم وأرتشف رشفة من ذلك الكوب الأخضر الذي لا تفارقه تلك القهوة التي يعشقها ذلك الشاب.
وفجأة وعلي غير المتوقع عاد التيار الكهربيّ فأنتفض من إسلام فرحاً - إذ لم يستغرق إنقطاع التيار الكهربيّ سوى ساعة! - ثم إتسعت حدقة عيناه كأنه رأى شبحاً وهو ينظر إلي ذلك الكوب الأخضر الذي كان قد إنسكب علي تلك اللوحات التي إستمر في رسمها 4 أيام متتالية وأطلق صيحة زلزلت ذلك المبنى المهتريء في العباسية بالقاهرة. فهرعت الأم وهي تصيح "في إيه يا أبني؟!" ونظرت إلي إبنها الذي كان يحاول إخفاء ملامح الغضب لأنه يعلم أن أمه مريضة! وقال في هدوءٍ تام "معلش يا حاجة القهوة وقعت علي إيدي وكانت سخنة جداً" فرددت الأم وهي تحاول إلتقاط أنفاسها "الحمدلله، حصل خير، تعال ورايا علي المطبخ احطلك تلج علي ايدك". فأشاح بيده وإبتسامة مصطنعة "انا جاي وراكي أهو يا حاجة" وهم باللحاق بأمه ولكن وقعت عيناه علي ورقة بجانب المكتب... الورقة هذة هو يتذكرها جيداً رغم أنها تشبه أي ورقة أخرى... أخذت الأفكار تدور في رأسه ما هي تلك الورقة هل هي رسالة من مكتب الهجرة إلي كندا أم قد تكون رسالة من الرسائل التي كانت تلقيها جارته وحبيبته ليلى من شباكها علي الذي يطل علي غرفته في مشهد كلاسيكي، فأنحنى ليأخذها وعندما لامس الورقة ورئى بقعة الدم تلك إنهمر في البكاء إذ تذكر تلك الورقة وأخذ يحضنها وينظفها ويقول والدموع في عنيه "سامحني يا رب، سامحني يا فريد!" وأخذ نفسا عميقا وألقى بظهره علي السرير المقابل للمكتب! وغفى!

في حديقة خضراء شاسعة يتجول إسلام هائماً لا يدري أي هو! ولا يتذكر شيئاً سوى أنه يدعى إسلام الذي شارك في الثورة. أخذ يتجول ويتجول وفجأة سمع صوتاً يعلمه ويتذكر جيداً ولكن لا يستطيع أن يذكر اسم صاحبه! وشعر بأن أحداً ينخزه في كتفه! فأشاح بنظره كي يرى من ينخزه! إتسعت حدقة عيناه أخذ ينظر وينظر طويلاً عاجزاً عن تحريك شفتيه ليتحدث ثم سقط مغشياً عليه.
إستيقظ فوجد نفسه محاطاً بالورود والأزهار وشخص يشع وجهه نوراً ينظر إليه مبتسماً إنه فريد صديق إسلام العزيز الإبتدائية والإعدادية والثانوية وفرقهما مكتب التنسيق إذ كان حظ فريد في هندسة البترول والتعدين وإسلام في هندسة القاهرة.
إسلام لفريد وهو يحتضنه عامل إيه يا صحبي! وحشتني! مصر مفتقادك يا فريد!
فريد: أنا الآن في مكانٍ أفضل من مصر أنا في الفردوس الأعلى من الجنة يا إسلام!
إسلام: الحمد لله، إدعيلنا بقى نكون مع بعض قريب! وظهرت ملامح الحزن علي وجهه!
ففهمها فريد وهدأ صديقه قائلاً أنت عملت إلي عليك يا صحبي سيبها لله!
إسلام وعينها تذرفان الدمع: وديني لجيب حقك يا صحبي!
قاطعه فريد قبل أن يكمل كلامه: "أنا خلاص ربنا جابلي حقي المهم دلوقتي إنكم تبنوا مصر!
ثم نظر فريد إلي ساعته ثم قال بإبتسامة ممزوجة بحزن لقد حان وقت رحيلك إراك لاحقاُ يا صاح!
وإذا بدخان كثيف يحوط إسلام وينقلب النور إلي ظلام ويجد نفسه ملقى علي سريره!
ينظر إلي ساعته فيجدها تشير إلي الخامسة عصراً ويحاول النهوض ليغسل وجهه وهو يتمتم ’’يا يا فريد...‘‘ وبدون مقدمات رن هاتف إسلام النقال فألتقط إسلام أنفاسه ورد عليه،
- ألو! إزيك يا معلم؟!
- إلحق يا إسلام بتوع موقعة الجمل أخدوا…
قاطعه إسلام في أمل.. ’’إعدام‘‘ ولاحظ بكاء صديقه علي الهاتف في ايه يا ابني؟! متقول خلّص؟!
- خدوا براءة يا إسلام!
لم يتمالك إسلام نفسه فسقط الهاتف من يده وتوجه إلي البلكونة وأخذ يصيح! ’’أرخص مافيكي ناسك… أرخص ما فيكي ناسك‘‘ وألقى بنفسه من البلكونة.
________________________
أراكم المرة القادمة...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق